صديق الحسيني القنوجي البخاري
9
فتح البيان في مقاصد القرآن
وَقالَ الظَّالِمُونَ المراد بهم هنا هم القائلون بالمقالات الأول ، وإنما وضع الظاهر موضع المضمر مع الوصف بالظلم للتسجيل عليهم به : إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا رَجُلًا مَسْحُوراً أي مخدوعا مغلوبا على عقله بالسحر ، وقيل ذا سحر ، وهي الرئة ، أي : بشرا له رئة لا ملكا ، فالمراد بالسحر هنا لازمه ، وهو اختلال العقل وقد تقدم بيان مثل هذا في سبحان . انْظُرْ كَيْفَ استعظام للأباطيل التي اجترؤوا على التفوه بها ، وتعجب منها أي : انظر كيف ضَرَبُوا لَكَ الْأَمْثالَ وقالوا : في حقك تلك الأقاويل العجيبة الخارجة عن العقول ، الجارية مجرى الأمثال واخترعوا لك تلك الصفات ، والأحوال الشاذة ، البعيدة من الوقوع ، ليتوصلوا بها إلى تكذيبك والأمثال هي الأقوال النادرة ، والاقتراحات الغريبة ، وهي ما ذكروه ههنا من المفتري ، والمملى عليه ، والمسحور . فَضَلُّوا عن الصواب ، فلا يجدون طريقا إليه ، ولا وصلوا إلى شيء منه ، بل جاؤوا بهذه المقالات الزائفة ، التي لا تصدر عن أدنى العقلاء ، وأقلهم تمييزا ، ولهذا قال : فَلا يَسْتَطِيعُونَ سَبِيلًا يعني لا يجدون إلى القدح في نبوة هذا النبي طريقا من الطرق . تَبارَكَ أي تكاثر خير الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ في الدنيا معجلا خَيْراً مِنْ ذلِكَ الذي اقترحوه من الكنز والبستان ، ثم فسر الخير فقال : جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي في الدنيا لأنه تعالى شاء أن يعطيه إياها في الآخرة وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً قد تقرر في علم الإعراب أن الشرط إذا كان ماضيا جاز في جوابه الجزم والرفع فجعل ههنا في محل جزم ورفع فيجوز فيما عطف عليه أن يجزم كما قرأ الجمهور ، وأن يرفع كما قرأ ابن كثير ، والقصر البيت من الحجارة ، لأن الساكن به مقصور عن أن يوصل إليه . وقيل هو بيت الطين ، وبيوت الصوف ، والشعر . عن خيثمة قال : قيل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم : إن شئت أعطيناك من خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك ، ولا نعطيها أحدا بعدك ، ولا ينقصك ذلك مما لك عند اللّه شيئا وإن شئت جمعتها لك في الآخرة ، فقال : « اجمعوها لي في الآخرة » فأنزل اللّه سبحانه هذه الآية أخرجه الفريابي وابن أبي شيبة وابن جرير وغيرهم . ثم أضرب اللّه سبحانه عن توبيخهم بما حكاه عنهم من الكلام الذي لا يصدر عن العقلاء فقال : بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ أي : بل أتوا بأعجب من ذلك كله ، وهو تكذيبهم بالساعة ، فلهذا لا ينتفعون بالدلائل ، ولا يتأملون فيها ، ثم ذكر سبحانه ما أعده لمن كذب بالساعة فقال : وَأَعْتَدْنا أي : والحال إنا اعتدنا ، وهيأنا وخلقنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً قال أبو مسلم : أي جعلناه عتيدا ، ومعدا لهم ، انتهى . والسعير هي النار المتسعرة المشتعلة ، والنار موجودة اليوم لهذه الآية ، كما أن الجنة كذلك لقوله تعالى : أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ .